محمد جمال الدين القاسمي

160

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 50 ] أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ( 50 ) أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ أي : يريدون منك . قال أبو السعود : إنكار وتعجيب من حالهم وتوبيخ لهم و ( الفاء ) للعطف على مقدر يقتضيه المقام . أي : أيتولون عن حكمك فيبغون حكم الجاهلية . وتقديم المفعول للتخصيص المفيد لتأكيد الإنكار والتعجيب . لأن التولّي عن حكمه صلى اللّه عليه وسلم . وطلب حكم آخر ، منكر عجيب . وطلب حكم الجاهلية أقبح وأعجب . والمراد ب ( الجاهلية ) إمّا الملة الجاهلية التي هي متابعة الهوى ، الموجبة للميل والمداهنة في الأحكام فيكون تعييرا لليهود بأنهم مع كونهم أهل كتاب وعلم ، يبغون حكم الجاهلية التي هي هوى وجهل لا يصدر عن كتاب ولا يرجع إلى وحي . وإما أهل الجاهلية ، وحكمهم ما كانوا عليه من التفاضل فيما بين القتلى . انتهى . وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً أي : قضاء لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ أي : ينظرون بنظر اليقين إلى العواقب . والاستفهام إنكار لأن يكون أحد حكمه أحسن من حكمه تعالى أو مساويا له . قال ابن كثير : ينكر تعالى على من خرج عن حكم اللّه المحكم - المشتمل على كل خير ، الناهي عن كل شرّ - وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة اللّه ، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم ، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن جنكزخان الذي وضع لهم ( الياسق ) وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى ، من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها . وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه ، فصارت في بنيه شرعا متبعا يقدمونه على الحكم بكتاب اللّه وسنة رسوله صلى اللّه عليه وسلم . فمن فعل ذلك منهم فهو . كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم اللّه ورسوله . فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير . قال اللّه تعالى : أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ أي : يبتغون ويريدون ، وعن حكم اللّه يعدلون ، وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ أي : ومن أعدل من اللّه في حكمه لمن عقل عن اللّه شرعه وآمن به وأيقن ، وعلم أن اللّه تعالى أحكم الحاكمين وأرحم بخلقه من الوالدة بولدها ؟ فإنه تعالى هو العالم بكل شيء ، القادر على كل شيء ، العادل في كل شيء . روى ابن أبي حاتم عن الحسن قال : من حكم بغير حكم اللّه فحكم الجاهلية . وكان طاوس إذا سأله رجل :